فخر الدين الرازي
302
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
منه ذلك ، وهو عليه الصلاة والسلام ما كان يرد محتاجا فذهب معه إلى أبي جهل فرحب به وبذل المال لليتيم فعيره قريش فقالوا : صبوت ، فقال : لا واللّه ما صبوت ، لكن رأيت عن يمينه وعن يساره حربة خفت إن لم أجبه يطعنها في ، وروي عن ابن عباس أنها نزلت في منافق جمع بين البخل والمراءاة والقول الثاني : أنه عام لكل من كان مكذبا بيوم الدين ، وذلك لأن إقدام الإنسان على الطاعات وإحجامه عن المحظورات إنما يكون للرغبة في الثواب والرهبة عن العقاب ، فإذا كان منكرا للقيامة لم يترك شيئا من المشتهيات واللذات ، فثبت أن إنكار القيامة كالأصل لجميع أنواع الكفر والمعاصي . المسألة الرابعة : في تفسير الدين وجوه أحدها : أن يكون المراد من يكذب بنفس الدين والإسلام إما لأنه كان منكرا للصانع ، أو لأنه كان منكرا للنبوة ، أو لأنه كان منكرا للمعاد أو لشيء من الشرائع ، فإن قيل : كيف يمكن حمله على هذا الوجه ، ولا بد وأن يكون لكل أحد دين والجواب : من وجوه أحدها : أن الدين المطلق في اصطلاح أهل الإسلام والقرآن هو الإسلام قال : اللّه تعالى : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [ آل عمران : 19 ] أما سائر المذاهب فلا تسمى دينا إلا بضرب من التقييد كدين النصارى واليهود وثانيها : أن يقال : هذه المقالات الباطلة ليست بدين ، لأن الدين هو الخضوع للّه وهذه المذاهب إنما هي خضوع للشهوة أو للشبهة وثالثها : وهو قول أكثر المفسرين أن المراد أرأيت الذي يكذب بالحساب والجزاء ، قالوا : وحمله على هذا الوجه أولى لأن من ينكر الإسلام قد يأتي بالأفعال الحميدة ويحترز عن مقابحها إذا كان مقرا بالقيامة والبعث ، أما المقدم على كل قبيح من غير مبالاة فليس هو إلا المنكر للبعث والقيامة . ثم قال تعالى : [ سورة الماعون ( 107 ) : الآيات 2 إلى 3 ] فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ( 2 ) وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ ( 3 ) [ قوله تعالى فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ] واعلم أنه تعالى ذكر في تعريف من يكذب الدين وصفين أحدهما : من باب الأفعال وهو قوله : فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ والثاني : من باب التروك وهو قوله : وَلا يَحُضُّ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ والفاء في قوله فَذلِكَ للسببية أي لما كان كافرا مكذبا كان كفره سببا لدع اليتيم ، وإنما اقتصر عليهما على معنى أن الصادر عمن يكذب بالدين ليس إلا ذلك ، لأنا نعلم أن المكذب بالدين لا يقتصر على هذين بل على سبيل التمثيل ، كأنه تعالى ذكر في كل واحد من القسمين مثالا واحدا تنبيها بذكره على سائر القبائح ، أو لأجل أن هاتين الخصلتين ، كما أنهما قبيحان منكران بحسب الشرع فهما أيضا مستنكران بحسب المروءة والإنسانية ، أما قوله : يَدُعُّ الْيَتِيمَ فالمعنى أنه يدفعه بعنف وجفوة كقوله : يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا [ الطور : 13 ] وحاصل الأمر في دع اليتيم أمور أحدها : دفعه / عن حقه وماله بالظلم والثاني : ترك المواساة معه ، وإن لم تكن المواساة واجبة . وقد يذم المرء بترك النوافل لا سيما إذا أسند إلى النفاق وعدم الدين والثالث : يزجره ويضربه ويستخف به ، وقرئ ( يدع ) أي يتركه ، ولا يدعوه بدعوة ، أي يدعوا جميع الأجانب ويترك اليتيم مع أنه عليه الصلاة والسلام قال : « ما من مائدة أعظم من مائدة عليها يتيم » وقرئ ( يدعو اليتيم ) أي يدعوه رياء ثم لا يطعمه وإنما يدعوه استخداما أو قهرا أو استطالة . واعلم أن في قوله : يَدُعُّ بالتشديد فائدة ، وهي أن يدع بالتشديد معناه أنه يعتاد ذلك فلا يتناول الوعيد